
بعد ما د.فنت مراتي بتلت أيام حسيت بشوق غريب أوي ناحيتها, وكأني د.فنت روحي نفسها في القبر مش مراتي وبس, وحسيت أد ايه البيت فاضي وانها حرفيًا كانت مالية عليا حياتي, وقفت يومها في البلكونة, نفس المكان اللي كنا بنقعد فيه, وبدأت أفتكر كل ذِكرى, كلمة, همسة حصلت ما بينا, وغصب عني حسيت إن دموعي هتسيل من تاني عشان كدا منعت نفسي من التفكير تماما, وقتها لقيت أختها الصغيرة أشجان بتتصل بيا, كنت بعتبرها أختي الصغيرة ويمكن أكتر كمان, اتصلت بيا تواسيني وتعزيني, ويمكن تتقوى بيا في وفاة أختها, اتكلمت معاها كتير وحكتلها أد ايه أنا مفتقد أختها جدا..
وطلبت منها تديني حماتي وحمايا, الناس اللي بعتبرهم أكتر من أهلي حرفيًا, وأول ما سمعت صوت حماتي لقيت نفسي ببكي بدون أي مقدمات, فضلت تواسي فيا وتقولي إن ده قدر ربنا واننا هنفضل مع بعض مهما كان حتى لو مكنتش خلفت من مراتي طول السنين دي كلها, قفلت معاهم السِكة وفضلت لحد الصبح قاعد في البلكونة حزين جدا, مبتكلمش, عايش على ذكريات استحالة ترجع تاني..
وبعد يومين من الحزن الشديد ده لقيت نفسي بكلم عم عثمان التُربي بتاع بلدنا وبقوله إني هزوره بالليل, رحب بيا جدا وهو مش فاهم انا ليه بعمل كدا, بالأخص إن دي أول مرة هزوره فيها, حتى أنا بصراحة مكنتش عارف أنا بعمل كدا ليه من الأساس, هل عشان أكون قريب من مراتي فعلا وأحس بيها, ولا يمكن أنا أضعف من إني أتحمل ألم فقدانها, وعلى بالليل لبست الجاكيت بتاعي لان الجو كان برد جدا, وطلعت على المقابر ومعايا, ومعايا مفاتيح قبر مراتي, معرفش ليه وازاي ولا أنا بفكر في ايه من الأساس, وصلت للمكان اللي بيقيم فيه عم عثمان اللي رحب
بيا جدا, قولتله إني مفتقد مراتي وقولت آجي اونسها شوية, لقيته ضحك أوي وقال: – مراتك دلوقتي في دار الحق, وآخر حاجة بتفكر فيها هو انتوا, يابني اللي في المكان ده ميتخافش عليه, احنا اللي يتخاف علينا
معرفش ليه حسيت برهبة من كلامه, شوية والشاي كان جاهز, شربت كوباية الشاي وحسيت بشوية دفى كنت مفتقدهم أوي, شوية وجتله مكالمة وسبته وخرجت أتمشى شوية, ولقيت رجلي واخداني للقبر اللي فيه مراتي, وكأني كنت عامل زي المتخدر تماما, ماشي تايه في ملكوت الله, وقفت قدام القبر أدعيلها واكلمها وكأنها واقفة قدامي, بحكيلها انا أد ايه مفتقد وجودها جمبي, أد ايه حاسس بالعذاب في غيابها, ووسط وقفتي دي حسيت أو جالي إيحاء انها بتناديلي, وكأنها عايشة زينا, أو كأنها عايزة توصلي رسالة, عارف لما تكون لوحدك وفجأة حد يدخل الأوضة بتاعتك, أنا جالي الإحساس ده..
وقفت أتنفس بصعوبة وانا مش عارف النداء ده وهم ولا فعلا فيه حاجة بتناديلي, في الوقت ده حسيت إني اتخـ،ـ،ـدرت, رغم برودة الجو وظُلمة المكان إلا إني كنت متخـ،ـدر, متخـ،،ـدر تماما, وبدون وعي مني فتحت القِفل بتاع القبر, ووقفت في مواجهة الظلام, الظلام اللي بالع جثـ،ـمان مراتي, وحسيت لحظتها إني عايز أنقذها, أنقذها من اللي بيحصل فيها ده..
حاجة من جوايا كانت بتصرخ وبتمنعني إني أتقدم, بس كنت مُجبر, مديت رجلي ودخلت من الفتحة الصغيرة بتاعت القبر, ولقيت نفسي بدون مقدمات واقف على أرضية القبر, واقف وسط الحقيقة المُرة والظلام اللي مفيش بعده ظلام, ووسط الضلمة دي بدأ نور أزرق خفيف أوي يطلع من مكان ما, وبالأخص من الكفن اللي على الجـ،ـ،ـثة, وكأن الجـ،ـثة عاملة زي المصباح وسط بحر من الظلام, قربت منها برهـ،ـبة شديدة وانا مش عارف أنا ليه فاقد الإرادة تماما كدا..
ولقيت نفسي واقف قدام جثـ،ـمان مراتي, في العالم بتاعها مش بتاعي, عالم الأموات, كشفت عن وشها وانا بترعش لقيت وشها أزرق ومنفوخ وشكلها بشـ،ـع, بل وشوفت دود كتير بيزحف على جسمها, وقتها ومن كتر الخو.ف والاشمئـ،ـزاز حسيت بإرادتي بترجع من تاني, وقررت أخرج من المكان كله, لفيت عشان أتحرك وسمعتها, سمعت صوت واضح واتردد أكتر من مرة: “رايح على فين مش كفاية جيت لحد هنا بنفسك ووفرت عليا كتير”

