
– هو انت رجعت عشان تاخد العزاء ولا عشان اتطردت من شغلك
بصتله وانا لسة تحت تأثير المخدر وقولتله:
– عزاء مين يابني انت
– هو محدش قالك إن بنت خالك ماتت امبارح ولا ايه
عنيا جحظت بطريقة مخيفة واختفى تأثير المخدر كله من راسي, مسكته بقسوة وصرخت فيه:
– انت بتقول ايه
لقيت التاني بيقول بنبرة حزن:
– دي البلد كلها حزنت عليها الله يرحمها
وقعت مكاني وانا حاسس إن نفسي بيضيق وفقدت النطق تماما, لقيت واحد منهم بيقول:
– مش عاوز تزورها وتقرأ لها الفاتحة طيب
بصتلهم والدموع متحجرة في عنيا وقمت زي المُغيب عن الواقع, خدوني لحد قبر من القبور ووقفت قدامه عاجز, جسمي بيتنفض, قربت من القبر وانا بترعش وحضنته في سكون تام, لقيت واحد منهم بيهمس ويقول:
– لو واحشاك أوي كدا افتح وشوفها
بصتله برعب من الصدمة لقيته بيقول:
– يابني انت مش كنت بتحبها, دي مجرد نظرة وداع, وبدون تفكير لقيت واحد منهم طلع أجنة وشاكوش وضرب على قفل القبر, ضربة واتنين والتالتة ولقيت الباب اتفتح والقفل اتكسر..
وقفت قدام رهبة وظلمة القبر اتنفض, لقتهم بيشجعوني عشان أدخل أسلم عليها واخرج بسرعة, وفعلا نزلت, نزلت وانا قلبي بيتنفض بين ضلوعي, نورت الكشاف وشوفت الجثمان ساكن في نص القبر, قربت منه وانا حاسس إني هقع من طولي, مديت ايدي وشلت الكفن الأبيض… و
و
بصتلها وبصتلهم بذهول وقلت:
– دي مش هي بنت خالي
وسمعت ضحكاتهم, ضحكات شيطانية ولقيت واحد منهم بيقول:
– معلش بقا يا صاحبي الصنف طلب نعمل فيك مقلب جامد شويتين, بنت خالك عايشة عادي ودي بنت لسة مدفونة انهاردة, وبعدين هي دي مقابر العيلة بتاعتكم أصلا يا عبيط
لاحظت فعلا إنها لو كانت ماتت كانت هتدفن في مقابر العيلة, لعنتهم في سري وجريت ناحية الباب عشان أضربهم لقيت الباب اتقفل بصوت مُخيف, قلبي اتنفض من مكانه, خبطت على الباب بفزع وقلت:
– متهزروش بالطريقة دي انا هموت والله افتحولي
لقيت صوتهم من برة متوتر جدا وسمعت واحد منهم بيقول:
– والله ما حد قفل حاجة والباب مش عاوز يفتح
خبطت برعب أكبر واتوسلت ليهم يفتحوا الباب, بس هما كانوا بيحاولوا فعلا والباب مصمم ميفتحش, في اللحظة دي سمعت صوت حد بينادي بإسمي من جوة القبر, بصيت بفزع ناحية مصدر الصوت وفي ايدي الكشاف, وشوفت, ايوة شوفت واحد شبهي, نسخة مني واقف في نص القبر بس عنيه وشعره مولعين بالنار, وسمعته بيقول بصوت خشن:
– انا هاخدك معايا لتحت الأرض
صرخت, صرخت زي المجنون, وفضلت أضرب براسي على الباب, مرة واتنين وتلاتة وانا بصرخ
يارب
يااااااااااااااارب
يااااااااااااااااااااااااااااااااااااارب
سامحني يا ررررررررررررب
نجيني ياااااااا رب
في اللحظة دي عرفوا يفتحوا الباب وسحبوني لبرة, أول ما خرجت طلعت أجري زي اللي بيهرب من الجحيم, وصلت بيتنا ودخلت الاوضة بتاعتي وفضلت اتنفض وأبكي من الفزع, في اللحظة دي أمي دخلت عليا مخضوضة وحضنتني بخوف, فضلت أبكي في حضنها اكتر من ساعتين, كنت بتنفض زي العيل الصغير, وفين وفين لما هديت بدأت أحكي لأمي كل حاجة, واني لسة طالع من القبر..
لقيت دموعها بتسيل بغزارة ولقتها بتبوس ايدي وبتقولي:
– انساها يابني لوجه الله, انساها وحاول تشوف نور ربنا, ربنا لو نور قلبك والله مش هتعرف تحب حد غيره, ولا انت متعرفش حكاية بنت الأمير
بصتلها بحيرة لقتها كملت وقالت:
– كان فيه عامل شغال في مسجد لوقت متأخر, ودخلت بنت الأمير تتفرج على المسجد وكشفت عن وشها وهي متعرفش انه جوة, ولما شافها وشاف جمالها افتتن بيها وفضل مريض أيام بحبها, ولما أمه عرفت وشافت ان استحالة البنت هترضى بيه راحتلها وهي حزينة وحكت للبنت على اللي حصل لابنها, راحت بنت الأمير قالتلها انا موافقة اتجوزه بس المهر بتاعي انه يقيم الليل اربعين ليلة متواصلين ويجي يتجوزني
وراحت الأم تزف الخبر لابنها اللي كان طاير من الفرحة, صلى أول ليلة والتانية والتالتة بعدها بدأ يحس بالخجل الشديد انه مش بيصلي لله وبيصلي عشان يتجوزها, وصحح نيته لله من يومها, وسبحان الله ربنا نور قلبه وبعد الاربعين ليلة رفض انه يتجوزها بعد ما قلبه اتعلق بالله, وانت يابني والله لو اتعلقت بالله مفيش حاجة في الدنيا هتهزك من مكانك
في اللحظة دي بس سمعت صوت آذان الفجر, أمي بصتلي بصة رجاء, قولتلها:
– حاضر هروح أصلي
ودخلت المسجد, دخلت زي الطفل التايه اللي أخيرا لقى أمه, صليت الفجر وبكيت كتير أوي أوي, ومن يومها بقيت المؤذن بتاع المسجد, بروح في الخمس صلوات آذن وأصلي جماعة مع الناس, التزمت بقيام الليل والاستغفار, والغريب إني بعد اسبوع واحد اتمحت تقى من ذاكرتي, بل وبدأت أخجل من نفسي إني كنت متبهدل كدا عشان حب بنت في النهاية مجرد مخلوقة من مخلوقات الله..
لو عايز تعرف الأعجب من كل ده, بعد سنة خطيبها اتوفى في حادثة وخالي اللي بقا يشوفني طول السنة في المسجد عرض عليا اتجوزها, يومها بصيت للسما وابتسمت, كنت مستغرب ان ربنا حتى كرامتي بيردهالي وبيديني الدنيا كلها بين ايديا, بصيت لخالي بابتسامة وقولت:
– ربنا يرزقها باللي أحسن مني انا مستحقهاش
ومشيت, مشيت بعد ما اتعلمت إن قمة العبث إن قلبك يتعلق بمخلوق وتعصي ربنا عشانه, في حين إن قمة اللذة في الحب لما قلبك يتعلق بالله, لذة ركعتين قيام او دعوة في جوف الليل أعظم كتير من لذة الحب اللي بنوهم نفسنا بيه, لازم الواحد يحصن قلبه بحب الله, ولما يحب يكون حب حلال, حب بين زوج وزوجته وبس, لو عملت كدا هتلاقي نور ربنا نزل على قلبك وغيرلك حياتك كلها..
“الله نور السماوات والأرض..”
بقلم: أحمد محمود شرقاوي
……………..

