
ومشي, مشي وانا مش قادر أتمالك أعصابي من اللي بشوفه ده, فضلت مكاني كتير وبدون وعي قررت أنزل أشوف الدار دي, أو أشوف مسؤول أبلغه باللي بيحصل في المكان ده, واللي شجعني أكتر إن عمري ما كنت جبان كدا, وطالما خفت يبقا لازم أواجه خوفي, لبست هدومي ونزلت على الدار, خبطت على البوابة مفيش أي رد إطلاقا, زقيت الباب بقوة لقيت البوابة اتفتحت معايا, دخلت وانا بحاول التقط أنفاسي عشان التوتر, بصيت على الراجل في أوضة الحارس ملقتوش, قررت أتفقد الدار ولو حصلت إني أضربه هضربه..
دخلت المبنى اللي كان مظلم أوي, فين النور والضوء اللي بيطمن الأطفال دول, ده ولا مركز تعذيب مش دار رعاية, دخلت على أول أوضة ولقيت مكتوب عليها “عنبر 1” وقبل ما أفتح الباب سمعت صوت حد بيتألم جوة, كأن فيه حد بيتعذب جوة, فتحت الباب بهدوء شديد ورغم الضلمة شوفت المشهد الغريب ده, الراجل اياه ماسك طفل وبيضربه بعصاية عاملة زي الشومة على ضهره, والطفل عمال يتألم ويبكي, تمالكت أعصابي وقولتله بصوت عالي: “انت بتعمل ايه للولد”
أول ما شافني لقيته ابتسم ابتسامة شيطانية, وبدون مقدمات مسك الشومة وجري ورايا, كان بيجري زي الثور الهايج وفي عنيه نظرة مخيفة, ده واحد جاي يقـ,ـتلك مش يتخانق معاك, في اللحظة دي سمعت الطفل بيصرخ من جوة وبيقول: “اهررب بسرعة”
ومسافة ما سمعت الكلمة دي بدأت أجري وانا مش عارف أنا بجري ورايح فيه, بس كنت بجري, ومن ورايا سامع الراجل بيزوم, بيصرخ, كان عامل زي الوحش المُخيف, ومع أول باب لقيته قومت داخل واستخبيت فيه, كان حمام صغير, كتمت نفسي وحاولت أسمع أي صوت, مفيش, شغلت فلاش الموبايل وفوجئت بدم, دم متجلط على الحيطان وشكله غريب, خدت نفسي بالعافية وانا حاسس إن قلبي شوية وهيقف, وقبل ما اتحرك سمعت صوت خطوات بتعدي من قدام الحمام, شوية واتفتح الباب, وشوفت الراجل, بس المرة دي كانت عنيه بيضا زي التلج, وكأنه ميت من الأموات, ومن حنجرته سمعت صوت غليظ أوي بيقول:
“هنعملك قبر هنا وهندفنك فيه”
ومسكني من رقبتي, وبين ايديه حسيت إن انا طفل رضيع, طفل مش قادر حتى يقاوم, كنت شايف عنيه المخيفة, وحاسس بأنفاسي اللي بتنتهي, وفي لحظة شهق الراجل شهقة عنيفة, بصيت برعب لقيت الطفل إياه اللي جالي الشقة, لقيته غارز سكين في ضهر الراجل, ولقيته بيصرخ فيا صرخة استحالة تكون آدمية وبيطلب مني أهرب, وبدون وعي جريت, جريت لحد ما خرجت من المكان الملعون ده, جريت لحد ما رجعت شقتي وقفلت الباب واستخبيت تحت البطانية, كان قلبي بيتنفض مكانه ومش قادر أخد نفسي, ويمكن فضلت لحد الصبح بترعش ومش قادر أسيطر على جسمي إطلاقا, وطبعا قررت أسيب الشقة خالص, بس قبل ما
أسيبها كنت محتاج أفهم, دورت كتير أوي لحد ما روحت سوبر ماركت قريب في المكان ويمكن الوحيد اللي موجود في المنطقة ودردشت معاه لحد ما بدأ يحكيلي في النهاية..
“قالي إن دار الرعاية دي كان فيها حارس اسمه عوض, كان راجل بغيض وكأنه من قوم عاد مش من زمنا, كان بيمشي العيال بالكرباج في الدار ومكنش حد بيقدر يقوله نص كلمة, كان كل شوية عيل بيهرب ويستغيث بالناس بس كان عوض بيرجعه ويعاقبه عقاب شديد, بلغوا عنه أكتر من مرة بس كان دايما مكمل في شغلانته, لحد ما في مرة مسك طفل في الحمام يعاقبه وكان غضبان لدرجة إنه خبط دماغ الطفل في الحيطة وسيح دمه, وقتها بس اتحرك ولد تاني وجاب سكينة من مطبخ الدار وطعن بيها عوض خوفا على صاحبه, وفي الحمام قامت حرب دموية, طفل متعور, وعوض
مطعون, وطفل ماسك سكينة, بس عوض مسكتش غير لما قـ,ـتل الاتنين انتقاما لنفسه ومات جمبهم بسبب النزيف, وطبعا اتقفلت الدار باللي فيها بسبب الحادث البشع ده, بس الناس اللي في المبنى اللي قصاد الدار كانوا كل شوية بتحصل معاهم حاجات غريبة لحد ما عزلوا كلهم وسابوا العمارة, لحد ما جيت انت, وياريت متكملش يابني وامشي من المكان”
مشيت من عند الراجل وانا دموعي على خدي, نعمة كبيرة أوي إن ربنا يزرع في قلبك الرحمة خاصة مع الأطفال واللي أضعف منك, الرحمة اللي جزائها كبير أوي عند ربنا, ومن تاني يوم رجعت شقتي القديمة, وفي نومي شوفت الطفل إياه, شوفته واقف قدامي مبتسم, ولقيته بيطلب مني أتجوز وأعامل ابني برحمة, قولتله إني مبخلفش عشان يبتسم أكتر ويقول: “اتأكد من الموضوع ده لأنك بتخلف”
وصحيت متوتر أوي من الحلم ده, وروحت كشفت لأول مرة لوحدي وطلعت سليم, ولما اتصلت بطليقتي وانا مذهول عرفت انها عرفت بعد الطلاق إن أمها اللي كانت بتزور التحاليل وتطلع العيب فيا عشان تحافظ على سمعة بنتها, وانها مكانتش تعرف إن بنتها هتطلب الطلاق لأن بنتها طلبته فجأة وانا نفذت بسرعة بدون علمها, وفهمت ليه وقتها حماتي مكانتش عايزة الطلاق يحصل اطلاقا لأنها عارفة إني سليم, ولقيت مراتي بتطلب الرجوع وهي ندمانة بس هيهات, طالما بعتيني انا هبيعك..
انهاردة بس قررت أحكي حكايتي بعد أربع سنين وابعتها للكاتب أحمد محمود شرقاوي عشان ينشرها على صفحته على فيس بوك, وعشان أقوله باركلي أنا مستني مولودي التاني من مراتي الجديدة, وواخد عهد على نفسي إني أعاملهم برحمة كبيرة لأنهم يستحقوا مننا الرحمة, ولأن دين الاسلام دين رحمة ومعاملة, مش دين قسوة وافترى, والحمد لله إن التجربة دي كانت سبب إني أكتشف إني سليم, لأني لو معرفتش يومها مكنتش هقرر اتجوز ولا أطمن على نفسي مرة تانية إطلاقا..
“الراحمون يرحمهم الرحمن” بقلم: أحمد محمود شرقاوي.. ………… لو

