
وقدام عنيا شوفت الجحيم، سمعت صرخة واحدة ست، بس واحدة غير أمي، وكل الأرانب عنيها بقا لونها أحمر وهجموا على أمي، أمي اللي بقت بتصرخ بجنون، بدأت أنا كمان أصرخ من الفزع ولحظات وسمعت خبط عنيف على باب البيت، نزلت آجري وفتحت للجيران، وعقبال ما طلعنا كانت الأرانب كلها خرجت ونطت من فوق السطح وكلهم وقعوا جثث هامدة، وفي نص الأوضة كانت أمي راقدة وغرقانة في دمها جثة هامدة ومتغرقة بالبراز والقذارة، وجسمها معضوض في كل مكان من الرقبة للرجلين..
وقعت من طولي مقدرتش اتحرك غير بعد تلت أيام لما الجيران تكفلوا بالغُسل والدفن وفضلوا معايا مش عاوزين يسيبوني، وده لأني كنت محبوبة عن أمي بكتير.. لحد ما قعدت بعد تلت ليالي قدام البيت، دموعي بتسيل زي الشلال وقاعدة في التراب، بفكر في اللي جاي، أمي اللي ماتت، الأرانب ماتوا، مفيش فلوس، هعيش ازاي، هروح فين، لحد ما شوفت راجل عجوز ضهره منحني واقف قدامي ودموعه في عنيه، بصتله بتعجب لقيته حضني بقوة غريبة.. الناس اتجمعوا وكانوا هيتدخلوا لحد ما واحد منهم صرخ وقال:
– عبد الجواد، فينك يا راجل من زمان بصتله بذهول وانا مش مصدقة، ده أبويا عبد الجواد، زقيته عني وصرخت فيه، شتمته، هجمت عليه، انت السبب، انت اللي سبتني أنا وأمي وهجرتنا، انت ندل، كل ده وهو مبينطقش، لحد ما مسكني راجل جارنا بقسوة وزعق فيا، قالي أبوكي ده أجدع راجل في الدنيا، أمك هي اللي ست مش كويسة، وهو هيحكيلك ولازم تسمعي منه، كل اللي أمك قالتله كان كدب في كدب، وحتى شوفي نهايتها كانت ازاي.
كلامه صدمني، وقعدت أبكي، أبويا خدني ودخلنا جوة، ومفيش دقايق ولقيت صواني الأكل والشاي مبعوتة من الجيران بمناسبة رجوع أبويا، رغم السنين دي كلها الناس بيحبوه، استحالة ده يكون راجل مش كويس. قالي انه من زمان وياما حذر أمي متغشش في الميزان وتدخل علينا فلوس حرام، منعتها من البيع كتير، اتخـ،ـانقت معاها أكتر، لحد ما خلت حياتي جحـ،ـيم، واتطلقنا، وهي حلفت لو جيت أشوفك هتقـ,ــ,ـتلـ,ــ,ـك وتحرمني منك للأبد، وحاولت أزورك اكتر من مرة بس منعتني بالفضايح، فقررت أسيب البيت تعيشوا فيه وانا عشت في أوضة في بيت إيجار في بلد بعيدة، وكنت بدعي ليل نهار ربنا يجمعني بيكي..
بكيت في حضنه ساعات لما عرفت الحقيقة واللي أكدها ناس كتير، كل كلام أمي كان كدب، أمي اللي عملت جريمة بشعة لما غشت في الميزان ودبحت الميتة وعملت حاجة عظيمة عند ربنا، أمي اللي عرفت ان التراب اللي خدته كان فيه طفل من أطفال الجن واتقتـ,ـل يومها بسببنا، وأمه جت انتقمت مننا في الأرانب وفي أمي..
أمي اللي ربنا توعدها هي وأمثالها بالويل وهو وادي في جهنم بينزل فيه صديد أهل النار والعياذ بالله، وعشت مع أبويا، عشت مع أطيب وأحسن راجل في الدنيا بعد ما اتجوز ست طيبة وأخيرا عرفت معنى الحياة..
“وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُواْ عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ”
بقلم: أحمد محمود شرقاوي

