
فيه حاجة في بلدنا غريبة شوية مخلية البلد بتاعتنا مميزة عن أي بلد في مصر كلها, ومن غير ما اذكر اسم بلدنا أحب أقولك ان بلدنا الوحيدة دونا عن كل البلدان تقريبا اللي ممنوع فيها ممارسة السحر اطلاقا, وممنوع أي حد يعمل سحر مهما كانت الظروف وإلا عقابه هيكون على الست أم حجاب, والست دي محدش يعرف عنها أي حاجة وفيه الف رواية وحكاية عنها من 40 سنة في بلدنا, بس كل اللي فهمناه انها منعت السحر تماما في بلدنا..
لحد ما اختفى ذكرها مع بداية الألفينات ورجعت النفوس المريضة تروح للدجالين والسحرة عشان يعملوا الأعمال ويخربوا البيوت ويدمروا حياة الناس, وانا للأسف اتولدت وكبرت لقيت نفسي عايشة في بيت عمي لأن ابويا مات في خناقة يوم ما كانت أمي حامل فيا, خناقة من الخناقات اللي مبتخلصش في الصعيد, وأمي حصلته من الحزن والقهر بعد ولادتي بيوم واحد بس..
ولقيت نفسي في يوم وليلة عايشة في بيت عمي مع مراته وبنته صفية, وكبرت وفهمت ان حياتي كانت مختلفة عن كل البنات, حياة من غير أب ولا أم, كبرت وشوفت نظرات الكراهية في عيون مرات عمي, وفهمت من بدري أوي اني غير مرغوبة اطلاقا, بس عمي كان قاسي مع مراته دايما لما كانت بتيجي عليا ولو بكلمة..
وده خلى الكراهية تكبر ما بينا بس بدون أي أفعال, لأنها لما كانت بتقرب مني كان عمي ممكن يوصل انه يضربها, كان راجل شديد من بتوع زمان اللي أول ما يدخل البيت كل اللي فيه يتغير حالهم ويحسوا برهبة شديدة, ورغم حمايته ليا كان برضه قاسي في التربية معايا, ممنوع الخروج أو الدخول إلا بإذنه وبمواعيد محددة, والاستثناء الوحيد هو خروجي مرتين في اليوم, مرتين بس عشان أحط الأكل لقاسم, وقاسم ده كان واحد من المساكين اللي عندهم قصور في العقل كان بيقعد قدام الجامع يوميا, واستأذنت عمي اني أطلعله أكل مرة الصبح ومرة العصر, ودي الحاجة الوحيدة اللي وافق عليها من صغري..
وكبرت في بيت عمي وبدأت أحس بالضيق الشديد, كانت حياتي صعبة وحاسة اني في سجن مش عارفة هطلع منه امتا, بس كنت دايما بهرب من التفكير ده لما بفتكر اني كان زماني في الشارع بعد موت ابويا وأمي لولا عمي ربنا يبارك فيه..
وعدت الأيام يوم بعد يوم لحد ما بدأ الخطاب يخبطوا على بيت عمي عشان يخطبوني, وكانت مرات عمي مبسوطة بالموضوع وعايزة تتخلص مني انهاردة قبل بكرة, بس كان عمي بيتعامل معايا كأني ملكة, وان جوازتي لازم تكون من شخص ذو نسب كبير لأني أستحق بما ان هو عمي والوصي عليا, وبما انه من أكبر عائلات البلد..
لحد ما سمعت كلام ان أسعد ابن الحاج حامد بيتكلم عليا وعاوز يخطبني, وأسعد ده كان يعتبر الشاب اللي أي بنت تتمناه في البلد, أبوه أغنى راجل في البلد وهو من الشباب المتعلم اللي الكل بيحكي ويتحاكى بتربيته وأخلاقه, واتفاجئت في يوم بأسعد وأبوه قاعدين مع عمي وطالبين ايدي منه..
يومها سجدت لله وفضلت أبكي كتير أوي, مكنتش مصدقة ان أخرة الصبر جبر, واني أخيرا هعيش في مكان بدون ما أكون تقيلة على حد أو محدش فيه بيحبني, وطلب الحاج حامد انه يجهز هو وابنه كل حاجة لأنه عارف اني يتيمة وهو بيرفع الحرج عن عمي, وده كان شرطهم الوحيد, إني آجي بشنطة هدومي..
وفعلا اتخطبنا وبعد تلت شهور بس كتبنا الكتاب وبدأنا نستعد عشان نعمل الفرح, وبالفعل بدأت التجهيزات على قدم وساق لحد ما جه يوم الفرح, وجه العريس عشان ياخدني من بيت عمي, يومها شوفت حاجة غريبة أوي, شوفت قاسم بيبكي وهو بيبص عليا, قاسم بجلبيته المتوسخة وشعره الطويل ونظراته اللي كانت دايما سرحانة بقا فاهم اني خلاص ماشية..
رجعت وصيت صفية عليه وعاهدتها قدام ربنا انها تأكله وتهتم بيه, وقدمتله آخر وجبة من أكل الفرح وفارقته, يومها أسعد جوزي ابتسم وكان فرحان بيا وبالرحمة اللي ربنا زرعها في قلبي, وطلعنا على بيت الزوجية واحنا في قمة السعادة والانبساط..
دخلنا شقتنا وكانت كل حاجة ماشية بهدوء وسلاسة تامة, لحد ما دخل الحمام وانا فضلت مكاني في الصالة حاسة بالتوتر والخجل الشديد, دخلت الأوضة عشان أغير هدومي بس الغريب اني وانا بغير وسرحانة سمعت صوت أنين جاي من الحمام, كأن فيه حد بيتألم جوة أو متعور, قلبي وقع في رجليا وقربت من الباب وانا بتخيل ان أسعد وقع أو حصلتله حاجة..
وفتحت عليه الباب من قلقي, كان واقف قدام المراية وباصص فيها, ومن خلال انعكاسه في المراية شوفت اللي خلاني أصرخ بأعلى صوتي, أسعد كان ماسك حتة ازاز مكسورة من المراية وبيخرج بيها عنيه من مكانها والدم نازل من جرح كبير في خده, منظر كان بشع متخيلتش أشوفه ولو في اسوأ أفلام الرعب الدموية..
صرخت من رعبي لقيته بص ناحيتي وشوفت عين من الاتنين واقعة من مكانها ومن فراغ العين نازل مادة بيضا بشعة, جريت ناحية أوضة النوم وقفلت الباب وانا بترعش, أعصابي كلها كانت انهارت تماما ومكنتش قادرة أنطق بنص كلمة..
لقيته بيخبط عليا فضلت أبكي من الخوف ومكنتش قادرة أتحرك من مكاني, فتح الباب بالعافية ودخل ولقيته سليم ومعافى تماما, فضلت مكاني مبتكلمش, ببكي في صمت, ووضحتله اني اتخضيت من حاجة بإسلوب متوتر, وهو احترم الموقف وعدت الليلة بدون ما يقرب مني نهائيا..

